الشيخ محمد رشيد رضا

506

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أو تأويلها بالباطل من قبل أهل الأهواء ، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء ، وتفنيد أقوال خصومهم بالجدل والمراء ، فإذا خاضوا في غيره فلا بأس بالقعود معهم . وقيل إن الضمير في « غيره » للقرآن لأنه هو المراد بالآيات فأعيد الضمير عليها بحسب المعنى وسبب هذا النهي ان الاقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه انه إقرار لهم على خوضهم وإغراء بالتمادي فيه ، وأكبره انه رضاء به ومشاركة فيه ، والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر ، لا يقترفه باختياره الا منافق مراء أو كافر مجاهر ، وفي التأويل لنصر المذاهب أو الآراء ، مزلقة في البدع واتباع الأهواء ، وفتنته أشد من فتنة الأول ، فان أكثر الذين يخوضون في الجدل والمراء من أهل البدع وغيرهم تغشهم أنفسهم بأنهم ينصرون الحق ويخدمون الشرع ، ويؤيدون الأئمة المهتدين ، ويخذلون المبتدعين المضلين ، ولذلك حذر السلف الصالحون من مجالسة أهل الأهواء ، أشد مما حذروا من مجالسة الكفار ، إذ لا يخشى على المؤمن من فتنة الكافر ما يخشى عليه من فتنة المبتدع ، لأنه يحذر من الأول على ضعف شبهته ، ما لا يحذر من الثاني وهو يجيئه من مأمنه ، ولا يعقل أن يقعد المؤمن باختياره مع الكفار في حال استهزائهم بآيات اللّه وتكذيبهم بها وطعنهم فيها ، كما يقعد مختارا مع المجادلين فيها المتأولين لها ، وانما يتصور قعود المؤمن مع الكافر المستهزىء في حال الاكراه وما يقرب منها ، كشدة الضعف ، ولا سيما إذا كان في دار الحرب ، ولم تكن مكة دار إسلام عند نزول هذه الآيات . ويدخل في أهل الأهواء المقلدون الجامدون الذين يحاولون تطبيق آيات اللّه وسنن رسوله على آراء مقلديهم بالتكلف ، أو يردونها ويحرّمون العمل بها بدعوى احتمال النسخ أو وجود معارض آخر ، وقد نقلنا كلاما في هذا المعنى عن فتح البيان في تفسير آية سورة النساء التي بمعنى هذه الآية وهي قوله تعالى ( 4 : 139 وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) ومن الناس من يحرف آيات اللّه عن مواضعها بهواه لأجل أن يكفر بها مسلما ، أو يضلل بها مهتديا ، بغيا عليه وحسدا له ، كما فعل بعض أدعياء العلم بمصر في هاتين